أبي منصور الماتريدي

481

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

تعالى - عليهم « 1 » ما ناله من صبر من تقدمهم من السلف . وكذلك ذكر سحرة فرعون ، وأحسن الثناء عليهم بصبرهم على تعذيب فرعون ، فقالوا : فَاقْضِ ما أَنْتَ قاضٍ إِنَّما تَقْضِي هذِهِ الْحَياةَ الدُّنْيا [ طه : 72 ] ؛ ليكون ذلك عونا لهم على الصبر بما يلقون من الكفرة من التعذيب ، ثم أكد الأمر بالقسم ؛ لأنه لا كل مسلم يبتلى بتعذيبهم يبلغ يقينه مبلغا لا يعتريه الشك ، ولا يتخالجه شبهة في ذلك ؛ فأكد الأمر بالقسم ؛ لرفع الريب والإشكال . وقال - تعالى - : وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ ، وفي بعض القراءات : قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ ، فَما وَهَنُوا لِما أَصابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَما ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكانُوا [ آل عمران : 146 ] ، فذكّر المؤمنين ما لقي السلف من الكفرة ، وابتلوا بقتل الرسل وثباتهم على الدين ؛ ليستعينوا به على ما يصيبهم في سبيل الله ، ولا ينقلبوا على أعقابهم إذا أخبروا بقتل الرسول . وفي ذكر هذه الأنباء دلالة أن قول الرسول - عليه السلام - لعمار رضي الله عنه : « إن عادوا فعد » حين أكره على إجراء كلمة الكفر على لسانه ، فأجرى وقلبه مطمئن بالإيمان - ليس على الأمر به والإيجاب عليه ، والتحصيل بطريق العزم ؛ بل معناه : إن عادوا فلك العود ؛ على سبيل الرخصة ؛ لأنه لو كان على الأمر ، لم يكن في ذكر نبأ أصحاب الأخدود وسحرة فرعون فائدة ، سوى أن يترك العمل بهما ، ومعلوم أن تلك الأنباء إنما ذكرت ؛ ليعمل بها لا ليترك « 2 » بها العمل ؛ لذلك حمل قوله : « فعد » على الرخصة ، لا على الأمر به ، ويكون المراد من قوله - عليه السلام - أيضا : « من لم يقبل رخصنا كما يقبل عزائمنا فليس منا » ، أي : لم ير العمل به موسعا بل استنكره ، وأبى قبوله ، لا أن يكون فيه أمر بترك العزيمة وإيجاب العمل بالرخصة ، والله أعلم . ثم نرجع « 3 » إلى قوله - تعالى - : وَالسَّماءِ ذاتِ الْبُرُوجِ . فقال بعضهم : هي البروج المعروفة ، وهي أطراف البناء ، وإذا بني بناء اتخذ على طرفه برج ؛ ليشدد بناؤه به . ومنهم « 4 » من قال : البروج : القصور . ومنهم « 5 » من قال : البروج : النجوم ؛ لقوله : جَعَلْنا فِي السَّماءِ بُرُوجاً وَزَيَّنَّاها لِلنَّاظِرِينَ

--> ( 1 ) في ب : لهم . ( 2 ) في ب : يترك . ( 3 ) في ب : رجع . ( 4 ) قاله ابن عباس أخرجه ابن جرير عنه ( 36826 ) . ( 5 ) قاله مجاهد أخرجه ابن جرير ( 36828 ) ، وعبد بن حميد ، وابن المنذر عنه كما في الدر المنثور ( 6 / 552 ) وهو قول قتادة أيضا .